أكد رئيس المجلس الرئاسي الليبي محمد المنفي، إلى جانب عدد من الأحزاب والقوى السياسية، رفض العودة إلى الصيغ القانونية والانتخابية السابقة، معتبرين أنها أسهمت ـ بحسب وصفهم ـ في إضعاف التعددية الحزبية وتعزيز الطابع الفردي للسلطة، بما عمّق الانقسام السياسي في البلاد خلال السنوات الماضية. جاء ذلك في بيان سياسي صدر عقب اجتماع موسّع عقد في العاصمة طرابلس، وجمع ممثلين عن المجلس الرئاسي وعددًا من الأحزاب السياسية، حيث شدد المجتمعون على ضرورة الحفاظ على الزخم السياسي الحالي، والبناء على مخرجات مسارات الحوار السابقة، وفي مقدمتها مخرجات لجنة "6+6"، واللجنة الاستشارية، ومناقشات "الحوار المهيكل" الذي ترعاه البعثة الأممية.توحيد المؤسسات ورفض تكريس الانقسام وأكد البيان أن توحيد المؤسسات السيادية والتنفيذية في ليبيا يمثل أولوية قصوى وأساسًا لا غنى عنه لأي تسوية سياسية أو استحقاق انتخابي قادم، محذرًا من مخاطر تكريس الحكومات الموازية أو تحويل الأوضاع المؤقتة إلى "أمر واقع دائم". ويأتي هذا الموقف في ظل واقع سياسي منقسم في ليبيا، حيث تتقاسم السلطة التنفيذية حكومتان متوازيتان: حكومة في الغرب تتخذ من طرابلس مقرًا لها وتحظى باعتراف دولي، وأخرى في الشرق تتمركز في بنغازي وتحظى بدعم مجلس النواب وقوى سياسية وعسكرية هناك. هذا الانقسام لم يقتصر على السلطة التنفيذية، بل امتد إلى مؤسسات سيادية واقتصادية وأمنية، ما أدى إلى ازدواج في القرار السياسي والإداري، وأعاق محاولات توحيد الدولة وإنهاء المرحلة الانتقالية المستمرة منذ عام 2011.التأكيد على الاستفتاء الشعبي والشرعية وجدد المجتمعون التأكيد على أن الشعب الليبي هو مصدر الشرعيات وصاحب الحق الأصيل في تقرير مستقبله السياسي، مشيرين إلى التمسك بخيار الاستفتاء الشعبي المباشر كأداة ديمقراطية لتكريس التوافقات الوطنية ومنح القرارات المصيرية شرعية مباشرة من الناخبين. ويأتي هذا الطرح في ظل استمرار الخلافات بين الأطراف الليبية حول الإطار الدستوري والقانوني المنظم للانتخابات المقبلة، في غياب دستور دائم يحسم طبيعة النظام السياسي."ضمانات" سياسية وأمنية قبل الانتخابات وأكد البيان أن نجاح أي عملية انتخابية لا يرتبط فقط بصياغة القوانين أو تحديد المواعيد، بل يتطلب توفير "ضمانات سياسية وأمنية ومؤسسية" تضمن بيئة مستقرة وآمنة، وتكفل قبول نتائج الانتخابات وعدم الطعن في شرعيتها بعد إجرائها. وأشار المجتمعون إلى أن هذه الضمانات تمثل شرطًا أساسيًا للعبور الآمن نحو المرحلة الانتقالية، بما يمنع تكرار أزمات سياسية سابقة أعقبت محطات انتخابية مفصلية في البلاد. وشدد البيان على مبدأ "الملكية الوطنية الكاملة" للعملية السياسية، مؤكدًا أن دور الشركاء الدوليين، وفي مقدمتهم بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، يجب أن يبقى في إطار الدعم والتيسير، دون أن يحل محل الإرادة السياسية الليبية أو التوافقات الداخلية بين الفاعلين المحليين. وتلعب البعثة الأممية دورًا مركزيًا في إدارة العملية السياسية منذ سنوات، عبر رعاية مسارات الحوار بين الأطراف الليبية، وتقديم مقترحات لإطار دستوري وقانوني يُفترض أن يفضي إلى انتخابات رئاسية وبرلمانية. وقد قادت البعثة عدة مسارات، من اتفاق الصخيرات، إلى ملتقى الحوار السياسي في جنيف وتونس، وصولًا إلى تشكيل السلطة التنفيذية المؤقتة، إضافة إلى مسارات اللجنة الاستشارية والحوار المهيكل الهادف إلى معالجة الخلافات حول القوانين الانتخابية. ورغم ذلك، تواجه البعثة انقسامًا في المواقف الليبية بشأن دورها؛ إذ تعتبرها أطراف فاعلًا ضروريًا لضمان التوازن ودفع العملية السياسية، بينما ترى أطراف أخرى أن دورها يجب أن يُقلّص لصالح "ملكية وطنية" كاملة للقرار السياسي.تعزيز دور الأحزاب والتحذير من النماذج السابقة وفي السياق ذاته، أكد المشاركون أن تقوية دور الأحزاب السياسية تمثل ركيزة أساسية لبناء حكومات مستقرة قادرة على تنفيذ برامج وطنية واضحة، معتبرين أن ضعف البنية الحزبية كان أحد أسباب هشاشة التجربة السياسية في مراحل سابقة. كما حذر البيان من العودة إلى نماذج انتخابية سابقة قال إنها ساهمت في تعميق الانقسام وإنتاج سلطات غير مستقرة. واتفق المجتمعون على تكليف الأحزاب السياسية بإعداد رؤية وطنية مكتوبة وموحدة بشأن الانتخابات الرئاسية والبرلمانية المقبلة، إضافة إلى تحديد متطلبات البيئة الآمنة لإجرائها، على أن تُقدَّم هذه الرؤية إلى المجلس الرئاسي باعتبارها جزءًا من المرجعيات الوطنية المنظمة للعملية السياسية. ويُنظر إلى هذه الخطوة باعتبارها محاولة لتوحيد المواقف بين القوى السياسية المختلفة، في ظل استمرار التباينات حول القوانين الانتخابية والضمانات اللازمة لتنفيذ الاستحقاق. ويأتي هذا الحراك السياسي في وقت لا تزال فيه ليبيا تعيش حالة انقسام مؤسسي وأمني، مع استمرار الجدل حول أولويات المرحلة المقبلة بين من يرى أن الانتخابات هي المدخل لإنهاء المرحلة الانتقالية، ومن يعتقد أن توفير توافقات وضمانات شاملة يجب أن يسبق أي استحقاق انتخابي. ويأتي هذا الاجتماع أيضًا في سياق حراك متنامٍ للمجلس الرئاسي خلال الأشهر الأخيرة، مع محاولات بدت أكثر وضوحًا لتعزيز حضوره داخل المشهد السياسي الليبي بعد سنوات اقتصر فيها دوره إلى حد كبير على المهام التوافقية والسيادية. وقد اكتسب هذا التحرك زخماً إضافياً منذ إعلان رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي إطلاق مسار لمكافحة الفساد، وهي الخطوة التي رأى فيها متابعون محاولة لإعادة التموضع السياسي واستعادة جزء من المبادرة داخل مشهد تتعدد فيه مراكز القرار وتتشابك فيه الصلاحيات. ويُنظر إلى هذا الحراك بوصفه سعيًا من المجلس الرئاسي إلى توسيع حضوره في ملفات تتجاوز دوره التقليدي، عبر تقديم نفسه كفاعل سياسي قادر على المساهمة في إدارة ملفات الإصلاح المؤسسي وإعادة ترتيب أولويات المرحلة الانتقالية. ويُعد المجلس الرئاسي أحد الأجسام السياسية التي أفرزتها مسارات التسوية الليبية، إذ تشكل بصيغته الحالية بموجب مخرجات ملتقى الحوار السياسي الليبي الذي رعته الأمم المتحدة عام 2021 ضمن ترتيبات السلطة التنفيذية المؤقتة. ويضطلع المجلس بمهام سيادية وتوافقية تتعلق بالحفاظ على وحدة الدولة وتمثيلها سياسيًا ودبلوماسيًا، كما يتولى مهام القائد الأعلى للجيش الليبي، ويملك صلاحيات مرتبطة بملفات الأمن القومي والمصالحة الوطنية وبعض التعيينات العليا وفق الأطر القانونية المنظمة. ورغم ذلك، تبقى صلاحياته التنفيذية المباشرة محدودة مقارنة بالحكومة، وهو ما جعل حضوره خلال السنوات الماضية أقرب إلى جسم سيادي وتوافقي منه إلى سلطة تنفيذية كاملة الصلاحيات، قبل أن تشهد الفترة الأخيرة مؤشرات على محاولة لعب دور سياسي أكثر حضورًا وتأثيرًا في مسار الأزمة الليبية. اظهار أخبار متعلقة

الرئاسي الليبي يرسم شروط المرحلة الانتقالية.. السياسة أولًا والانتخابات لاحقًا
٢١ مايو ٢٠٢٦
٣٣ مشاهدة
5 دقائق قراءة
كن أول من يعلم!
اشترك في قنواتنا على وسائل التواصل الاجتماعي لتصلك أهم وأحدث أخبار تهامة واليمن العاجلة فور حدوثها.

التعليقات (0)