دمشق – استعرضت المديرية العامة للآثار والمتاحف بدمشق، عددا من الآثار والتحف السورية التي استعادتها بعد أن تعرضت للسرقة خلال السنوات الماضية.
ونظمت المديرية، في المتحف الوطني بمنطقة البرامكة، معرضا بعنوان "سوريا تستعيد آثارها" بمناسبة اليوم العالمي للمتاحف، وفي إطار حماية الإرث الثقافي السوري والتوعية بأهمية الحفاظ عليه.
وأشار مسؤولون إلى حجم التعديات والأضرار الكبيرة التي لحقت بالآثار السورية خلال سنوات الحرب، وشددوا على دور المواطن في الإبلاغ عن التحف المسروقة، أو عمليات التنقيب غير القانونية.
وفي هذا الإطار، أوضح القائمون على المعرض أن الفعالية تهدف إلى تسليط الضوء على قضية سرقة الآثار والاتجار غير المشروع بها، إلى جانب تعزيز الوعي بأهمية الإرث الحضاري السوري، ودعوة المجتمع المحلي للمساهمة في حماية المواقع الأثرية وصونها للأجيال القادمة.
وأوضح المتحدث باسم وزارة الداخلية السورية نور الدين البابا أن الوزارة بالتنسيق مع الوزارات المعنية، وعلى رأسها وزارات الثقافة والسياحة والخارجية، بالإضافة إلى الهيئة العامة للمعابر، تقوم بالتنسيق الحثيث لإيجاد آليات مشتركة لضمان حفظ الآثار السورية ومكافحة تهريبها.
استرددنا آلاف القطع الأثرية المنهوبة من مختلف الحضارات، بدءا من عصور ما قبل التاريخ ووصولا للعصور الإسلامية
وأضاف البابا، في تصريح حصري للجزيرة، أنه يتم التواصل مع دول الخارج من أجل استرداد الآثار السورية من خلال التواصل الحكومي والدبلوماسي والقانوني. وأشار المسؤول إلى وجود تطور ملحوظ في عمل وزارة الداخلية لا سيما في إدارة المباحث الجنائية، وإدارة التعاون الدولي، والتواصل مع الإنتربول، من أجل إعادة الآثار إلى المتاحف السورية.
وحول حجم الآثار المستعادة منذ كانون الأول/ديسمبر 2024، أوضح البابا أنهم نجحوا في استرداد آلاف القطع الأثرية المنهوبة والمهرّبة خارج سوريا من مختلف الحضارات التي مرت على البلاد؛ ابتداء من عصور ما قبل التاريخ، ومرورا بالعصر الحديدي والبرونزي، وعصور إيبلا وماري وأوغاريت، ووصولا للعصور الإسلامية الأخيرة، مشيرا إلى أن هناك حصيلة متزايدة من الآثار المستردة في سوريا.
وبدوره، أشاد معاون وزير الثقافة أحمد صواف بالجهود التي قامت بها الجهات المعنية لاسترداد الآثار المسروقة، وبالمواطنين الذين أعادوا تحفا وآثارا لمواقعها طواعية، مشيرا إلى أن عنوان المعرض "سوريا تستعيد آثارها" مُستلهم من هذه الجهود وتلك الطوعية.
وحول المفقودات التي خسرتها سوريا خلال الحرب، أشار صواف، في حديث للجزيرة، إلى أنها تنقسم لنوعين: الأول تم من خلال التنقيب غير الشرعي الذي استغله أشخاص ضعاف النفوس وليست موثقة، والنوع الثاني هو التحف الموثقة التي سُرقت.
وأوضح أن الجهات المعنية تعمل بكل طاقتها لاسترداد التحف والآثار المسروقة سواء تلك التي في الداخل، أو التي تم نقلها إلى الخارج.
وقالت بتول المعري، زائرة للمعرض، إنها تشعر بالأسى لفقدان سوريا جزءا من آثارها النادرة خلال الحرب، ولكنها تشعر بالأمل أيضا لرؤيتها بعض التحف التي تم استردادها. وتضيف في حديث للجزيرة: "الإرث الثقافي مكون رئيسي من مكونات الهوية، وفقدانه أو ضياعه أو سرقته يعني بالضرورة فقداننا لجزء من هويتنا، ولهذا السبب أعتقد أن هذا المعرض مهم جدا للتوعية حول أهمية حفظ الآثار من النهب والضياع".
وبدورها، تقول الأمين العام للمتحف الوطني بدمشق الدكتورة ريما خوام إن الممتلكات الثقافية والأثرية في سوريا تشكّل جزءا أساسيا من ذاكرة الإنسانية، لأنها توثق تطور الحضارات الأولى التي نشأت على هذه الأرض منذ آلاف السنين.
وتشير خوام، خلال حديثها مع الجزيرة ، إلى أن سوريا تعد واحدة من أغنى دول العالم بالتراث الثقافي، بما تضمه من مواقع ولقى تعود إلى حضارات مثل إيبلا وأوغاريت وتدمر والآراميين والفينيقيين، إضافة إلى العصور الكلاسيكية والإسلامية.
الاتجار غير المشروع بالآثار لا يقتصر على سرقة مقتنيات تاريخية، بل يؤدي إلى طمس ذاكرة الشعوب وتحويل الإرث الثقافي إلى سلعة تباع في الأسواق السوداء
وتوضح خوام أن المواقع الأثرية والمتاحف السورية تعرضت خلال سنوات الحرب لعمليات نهب وتنقيب غير مشروع، أدت إلى تهريب وفقدان مئات آلاف القطع الأثرية، والتي خرج كثير منها عبر شبكات تنقيب سرية واتجار غير قانوني استغلت حالة الفوضى وضعف الرقابة في بعض المناطق.
وتشير خوام إلى أن المعرض يُنظّم هذا العام تحت شعار مجلس المتاحف العالمي "المتاحف توحد عالما منقسما"، وتحت عنوان "سوريا تستعيد آثارها"، في رسالة تهدف إلى تعزيز الوعي بأهمية حماية التراث السوري والدعوة إلى استعادة القطع المنهوبة والحفاظ على الهوية الحضارية للبلاد.
وتعتبر خوام أن كل قطعة أثرية تحمل حكايتها الخاصة وتمثل جزءا من التراكم الحضاري السوري، مؤكدة أن الاتجار غير المشروع بالآثار لا يقتصر على سرقة مقتنيات تاريخية، بل يؤدي إلى طمس ذاكرة الشعوب وتحويل الإرث الثقافي إلى سلعة تباع في الأسواق السوداء والمزادات غير القانونية.
وتلفت إلى أن بعض القطع السورية ظهرت بالفعل في مزادات أوروبية، مستشهدة بمحاولة بيع غرفة دمشقية تعود إلى القرن الثامن عشر في أحد المزادات في الفترة الماضية، قبل التواصل مع الإنتربول لوقف عملية البيع.
كما تعرب خوام عن أملها في استعادة جميع القطع المنهوبة، وخاصة المنحوتات الأنثوية الست من الفترة الرومانية، والتي سُرقت من المتحف الوطني.
وتؤكد خوام على أهمية دعم المتاحف السورية وتمكينها من القيام بدورها في حماية التراث، إلى جانب تعزيز الرقابة على المواقع الأثرية وتوسيع التعاون المحلي والدولي لملاحقة شبكات التهريب واستعادة الآثار المنهوبة. وتختم خوام حديثها مع الجزيرة نت بتوجيه الشكر لكل السوريين الذين ساهموا خلال سنوات الحرب في حماية آثار بلادهم والحفاظ على التراث الثقافي السوري.
وكان من أبرز القطع الأثرية المستردة المعروضة في الفعالية، الرُقُم الإيبلاوية المسمارية التي سلمها أحد المواطنين المحليين من محافظة إدلب إلى الجهات المختصة طواعية.
وتم اكتشاف الرُقُم الإيبلاوية المسمارية عام 1975 من قبل البعثة الأثرية الإيطالية العاملة في تل مرديخ، وكان هناك حوالي 17 ألف رقيم، بين رقيم كامل ومكسور.
وتكتب هذه الرُقُم بطريقة مقطعية تبدأ من اليسار إلى اليمين ومن الأعلى إلى الأسفل على شكل أعمدة، قبل أن يُقلب الرقيم لاستكمال القراءة على الوجه الآخر من اليمين إلى اليسار، ما يجعل قراءته تتم على مرحلتين لأنه منقوش على الوجهين.
وكانت المديرية العامة للآثار والمتاحف قد دعت، في ديسمبر/كانون الأول 2025، جميع المواطنين إلى التعاون مع الجهات المختصة والإبلاغ الفوري عن أي نشاطات مشبوهة أو أعمال حفر غير مرخصة قد تشكل تهديداً لسلامة التراث الثقافي، مؤكدة أن حماية هذا التراث هي حماية لتاريخ الهوية الوطنية.

آلاف القطع المنهوبة تعود.. دمشق تعرض آثارها المستردة
٢٣ مايو ٢٠٢٦
١٥ مشاهدة
5 دقائق قراءة
كن أول من يعلم!
اشترك في قنواتنا على وسائل التواصل الاجتماعي لتصلك أهم وأحدث أخبار تهامة واليمن العاجلة فور حدوثها.

التعليقات (0)