وكأنه أصبح ديدنا، ففي كل مرة تقدم فيها منظمة دولية على إدانة إسرائيل أو تطالبها بالامتثال للقانون الدولي، يتكرر المشهد ذاته؛ انتقادات واتهامات بالتحيز، ورفض للنتائج، بل وهجوم سياسي وإعلامي على الجهة المعنية.
ليس هذا فقط، بل وصل الأمر أحيانا إلى مقاطعة كاملة أو تعليق للتعاون مع هذه الجهة.
ومع اتساع دائرة الانتقادات الدولية لحرب الإبادة التي شنتها إسرائيل على قطاع غزة ابتداء من أكتوبر/تشرين الأول 2023 والانتهاكات المرتبطة بها، عاد هذا السلوك الإسرائيلي إلى الواجهة بقوة، وكانت آخر حلقاته ما حدث منذ أيام قلائل.
يوم الجمعة الماضي، أعلنت الأمم المتحدة أنها أدرجت إسرائيل وروسيا ضمن قائمة سوداء تضم الدول المشتبه في ارتكابها أعمال عنف جنسي خلال الصراعات.
المثير أن إسرائيل لم تنتظر صدور القرار الأممي رسميا بل استبقته في اليوم السابق وأعلنت الخميس الماضي أنها قررت تجميد علاقاتها مع الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش.
"لقد انتهى أمرنا مع هذا الأمين العام"، هذا ما نشره السفير الإسرائيلي لدى الأمم المتحدة داني دانون عبر منصة إكس، في حين أوضحت البعثة الإسرائيلية أن القرار يشمل "تجميد" العلاقات مع مكتب الأمين العام إلى حين انتهاء ولاية غوتيريش في 31 كانون الأول/ديسمبر 2026.
بل إن المتحدث باسم الخارجية الإسرائيلية أورين مارمورشتاين ذهب إلى مدى أبعد عندما وصف قرار الأمم المتحدة بأنه "مخزٍ وعبثي"، وبأنه دليل إضافي على أن الأمم المتحدة هي منظمة مسيسة وفاسدة تستهدف إسرائيل بشكل منهجي، على حد زعمه.
كما وجهت الخارجية الإسرائيلية انتقادات شخصية إلى غوتيريش وزعمت أنه "اختار انتهاك كل معايير الصدق والنزاهة والمهنية"، وبالتالي تم قطع العلاقات معه ومع مكتبه بانتظار تعيين أمين عام جديد.
التقرير السنوي الذي يقدمه غوتيريش إلى مجلس الأمن بشأن العنف الجنسي المرتبط بالصراعات هذا العام فاق ما قدمه في العام الماضي، حين وجه الأمين العام تحذيرا لإسرائيل وروسيا بشأن إمكانية إضافتهما إلى قائمة الأطراف "التي يشتبه بشكل موثوق في ارتكابها أنماطا من الاغتصاب أو غيره من أشكال العنف الجنسي أو كونها مسؤولة عنها".
وأُدرجت الدولتان في أحدث تقرير أعدته براميلا باتن الممثلة الخاصة للأمين العام المعنية بالعنف الجنسي خلال الصراعات، والذي يتضمن وصفا مروعا للانتهاكات التي ارتكبتها القوات المسلحة وقوات الأمن الإسرائيلية والروسية.
وجاء في التقرير أن الأمم المتحدة تحققت خلال عام 2025 من وقائع متعددة للعنف الجنسي المرتبط بالنزاعات، بما في ذلك استخدامه ضمن أشكال التعذيب، ضد 14 رجلا وسبع نساء وتسعة فتيان وفتاة واحدة من قطاع غزة والضفة الغربية"، موضحا أن 13 حالة وقعت في 2025، مقابل 18 حالة في العامين السابقين.
وأضاف التقرير "تضمنت الانتهاكات الاغتصاب، بما في ذلك باستخدام أدوات، والاغتصاب الجماعي، ومحاولة الاغتصاب، والعنف الجسدي ضد الأعضاء التناسلية، وحالات إطلاق النار المتعمد على الأعضاء التناسلية، ولمس الثديين والأعضاء التناسلية، والتفتيش الجسدي والتفتيش الداخلي دون مبرر أمني واضح، والتعرية القسرية والتهديد بالاغتصاب".
وذكر التقرير "تم ارتكاب جرائم الاغتصاب والاغتصاب الجماعي، التي تكررت في بعض الحالات، ضد تسع ضحايا، غالبيتهن من غزة"، مشيرا إلى أن الجناة من القوات المسلحة والأمنية الإسرائيلية، وأن الجرائم وقعت بشكل أساسي في أثناء الاحتجاز والاستجواب وفي عدة مواقع، بما في ذلك معسكرات الجيش، وكذلك عند نقاط التفتيش وخلال العمليات العسكرية الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة.
وسبق للأمم المتحدة أن كشفت في 21 أبريل/نيسان الماضي عن تقرير حقوقي يوثق لجوء مستوطنين إسرائيليين في الضفة الغربية المحتلة إلى أساليب "التحرش والاعتداء الجنسي والترهيب" بحق الفلسطينيين.
وقال ستيفان دوجاريك المتحدث باسم الأمين العام، إن تقريرا أعده "المجلس النرويجي للاجئين" أظهر تعرض فلسطينيين لاعتداءات جنسية وترهيب من قبل مستوطنين، حتى داخل منازلهم.
بدورها، قالت صحيفة "يسرائيل هيوم" إن إدراج إسرائيل على القائمة السوداء جاء رغم "جهود إسرائيلية لعرقلة الخطوة" خلال الأسابيع الماضية.
وحسب وكالة رويترز، فلا يترتب على الإدراج في القائمة اتخاذ تدابير عقابية محددة مثل فرض عقوبات، رغم أن الإشارة إلى الأسماء علنا وفضحها يمكن أن يتسبب في إلحاق ضرر كبير بسمعة الدول المعنية، كما لا يُسمح للدول التي يتم إدراجها في القائمة بشكل متكرر بالمشاركة في عمليات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة.
وزارة الخارجية الفلسطينية رحبت بإدراج الأمم المتحدة لإسرائيل ضمن "قائمة العار" الخاصة بالعنف الجنسي، واعتبرته واقعيا وموضوعيا، وعبرت في بيان عن دعمها للأمين العام غوتيريش في وجه المحاولات الإسرائيلية للتأثير على التقرير الأممي، والذي يدرج إسرائيل، وسلطات احتلالها على قائمة العار للدول والكيانات المتهمة بارتكاب عنف جنسي في مناطق النزاعات".
ورحبت بالجهود الأممية والدولية التي قادت هذه الاستنتاجات، مطالبة المجتمع الدولي بالتحرك اليوم في ظل كل هذه التقارير الدولية الصادرة عن الأمم المتحدة ومن جهات ذات مصداقية ومستقلة، وأن يفعّل آليات الحماية للشعب الفلسطيني، والمساءلة والمحاسبة.
كما رحبت مؤسسات حقوقية فلسطينية بالقرار الأممي، واعتبرته اعترافا دوليا مهما بحجم الانتهاكات المرتكبة بحق الفلسطينيين.
ورأى رئيس نادي الأسير الفلسطيني، عبد الله الزغاري، في تصريح للجزيرة نت، أن التقرير الأممي الأخير "يشكل إدانة واضحة للانتهاكات التي ترتكبها إسرائيل بحق المعتقلين الفلسطينيين، ويؤكد ما دأبت المؤسسات الحقوقية الفلسطينية على التحذير منه وتوثيقه منذ أكثر من عامين".
في المقابل، اصطفت الولايات المتحدة كعادتها إلى جانب إسرائيل، حيث كتب سفيرها لدى الأمم المتحدة، مايك والتس، على منصة (إكس) معتبرا أن "من السخف أن تضع الأمم المتحدة دولة ديمقراطية كإسرائيل، بها سيادة قانون راسخة وتُجري تحقيقات وتُحاسب المجرمين، في نفس مستوى منظمات إرهابية كحماس" على حد وصفه.
وقال دانون إن إسرائيل ردت بالتفصيل على كل ادعاء ودعت ممثلي الأمم المتحدة لزيارة البلاد وفحص الوضع، لكنهم اختاروا عدم القيام بذلك، على حد قوله.
لكن براميلا باتن معدة التقرير ردت على هذه الاتهامات خلال مؤتمر صحفي أكدت فيه على التالي:
مجلة الدراسات الفلسطينية نشرت في العام الماضي دراسة عن إستراتيجيات إسرائيل في التعامل مع جهود المساءلة في المحافل الدولية بعد حرب غزة، اعتبرت فيها أن حرب الإبادة هذه مثلت لحظة تحوّل ليس فقط للقضية الفلسطينية، بل للنظام القانوني الدولي بأكمله.
واستعرضت الدراسة مراحل تطور المواقف والتكتيكات الإسرائيلية من جهود المساءلة عبر المحاور التالية:
الضغط الاقتصادي: مثل حجز أموال المقاصة الفلسطينية (عائدات الضرائب)، وحث الدول المانحة على خفض تمويل المحكمة الجنائية الدولية ووكالات الأمم المتحدة.
استهداف منظمات المجتمع المدني: شيطنة وتصنيف 6 مؤسسات حقوقية فلسطينية بارزة كـ "منظمات إرهابية" (مثل مؤسسة الحق والضمير) لوقف تدفق توثيق الجرائم، رغم فشل الاستخبارات الإسرائيلية في إقناع الشركاء الأوروبيين أو حتى وكالة الـ CIA بهذه الادعاءات.
استهداف الأفراد وترهيبهم: فرض حظر السفر والتشهير بالنشطاء، بالإضافة إلى شن "حرب سرية" شملت التجسس ببرنامج "بيغاسوس" ومراقبة واختراق حسابات كبار موظفي المحكمة الجنائية الدولية
التكتيكات القانونية والتحالفات: التركيز على الدفوع الإجرائية (إنكار الاختصاص القضائي)، وتجنيد الحلفاء (على رأسهم أمريكا وبريطانيا ودول أوروبية) لتقديم آراء استشارية مضادة، والتحجج بـ "مبدأ التكامل" عبر الإيحاء بأن القضاء العسكري الإسرائيلي يحقق داخلياً في الانتهاكات لمنع تدخل المحاكم الدولية.
وفيما يتعلق بتجنيد الحلفاء، فقد جندت إسرائيل دولاً ومنظمات للتدخل في إجراءات المحاكم الدولية في محاولة لإحباط جهود المساءلة. وكانت الولايات المتحدة دائما في مقدمة هؤلاء الحلفاء إضافة إلى دول مثل ألمانيا والنمسا وأستراليا والمجر وأوغندا.
يرى مراقبون أن إسرائيل تتبنى منذ سنوات نهجا ثابتا يقوم على الاعتراف بشرعية المؤسسات الدولية عندما تخدم مصالحها أو تدعم روايتها، لكنها تنزع الشرعية عنها عندما تصدر مواقف أو أحكاما تتعارض مع سياساتها، خاصة فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية والاستيطان والحروب على غزة.
وفيما يلي بعض السوابق والنماذج:
يعد مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة من أكثر المؤسسات التي تعرضت لهجوم إسرائيلي متكرر، فمنذ تأسيسه عام 2006 اتهمته إسرائيل بالتركيز المفرط عليها مقارنة ببقية النزاعات العالمية.
وفي فبراير/شباط 2025 أعلن وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر انسحاب إسرائيل من المجلس، متهما إياه بما وصفه بـ”الانحياز المؤسسي المتواصل ضد إسرائيل".
وجاء القرار بعد سنوات من الخلافات حول تقارير أممية تناولت الاستيطان والحروب الإسرائيلية على غزة والانتهاكات في الأراضي الفلسطينية المحتلة.
تمثل منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) إحدى أبرز ساحات الصدام بين إسرائيل والمؤسسات الدولية.
بدأ التوتر يتصاعد بصورة حادة بعد قبول فلسطين عضوا كاملا في المنظمة عام 2011، وهو ما دفع الولايات المتحدة إلى وقف تمويلها لليونسكو، قبل أن تعلن واشنطن وتل أبيب عام 2017 الانسحاب من المنظمة بدعوى انحيازها ضد إسرائيل. ودخل القرار حيز التنفيذ رسميا مطلع عام 2019.
وكانت إسرائيل تعتبر أن قرارات اليونسكو المتعلقة بالقدس والمواقع التراثية الفلسطينية تمثل محاولة لـ”طمس الصلة التاريخية اليهودية” بتلك الأماكن، بينما كانت المنظمة تؤكد أن قراراتها تستند إلى القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة.
تعد وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) الهدف الأكثر استمرارا للهجمات الإسرائيلية خلال السنوات الأخيرة.
فمنذ عقود تتهم إسرائيل الوكالة بالمساهمة في تكريس قضية اللاجئين الفلسطينيين، لكن الصدام بلغ ذروته بعد حرب الإبادة في غزة، عندما اتهمت إسرائيل عددا من موظفي الوكالة بالمشاركة في طوفان الأقصى في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023.
واستخدمت إسرائيل تلك الاتهامات لتبرير تقييد عمل الوكالة والسعي لإنهاء دورها داخل غزة. غير أن محكمة العدل الدولية شددت في رأي استشاري صدر عام 2025 على التزامات إسرائيل تجاه الأمم المتحدة ووكالاتها الإنسانية، مؤكدة أهمية تسهيل عمل الأونروا وإدخال المساعدات الإنسانية.
ورفضت إسرائيل تلك المواقف، زاعمة أن الوكالة مخترقة من قبل حركة حماس، في حين اعتبرت جهات أممية ودولية أن الأدلة المقدمة لا تبرر تعطيل الدور الإنساني للوكالة.
شهدت العلاقة بين إسرائيل ومحكمة العدل الدولية توترا متزايدا منذ الرأي الاستشاري الصادر عام 2004 بشأن الجدار العازل في الضفة الغربية، والذي اعتبر بناء الجدار مخالفا للقانون الدولي.
لكن المواجهة وصلت إلى مستوى غير مسبوق بعد الحرب على غزة، مع القضايا والطلبات الاستشارية المتعلقة بالاحتلال والمساعدات الإنسانية وعمل الأمم المتحدة داخل الأراضي الفلسطينية.
وفي أكتوبر/تشرين الأول 2025 أصدرت المحكمة رأيا استشاريا أكدت فيه أن على إسرائيل السماح لوكالات الأمم المتحدة، وعلى رأسها الأونروا، بالقيام بمهامها الإنسانية. ورفضت إسرائيل القرار، معتبرة أنه يتجاهل مخاوفها الأمنية ويعتمد على مقاربة سياسية لا قانونية.
المحكمة الجنائية الدولية
منذ انضمام فلسطين إلى نظام روما الأساسي عام 2015 دخلت إسرائيل في مواجهة مباشرة مع المحكمة الجنائية الدولية.
وترفض إسرائيل اختصاص المحكمة على الأراضي الفلسطينية، معتبرة أن فلسطين ليست دولة ذات سيادة كاملة تخولها منح المحكمة ولاية قضائية، كما حاولت مرارا الطعن في اختصاص المحكمة قانونيا لكن المحكمة رفضت هذه الدفوع، لتعمد إسرائيل إلى الهجوم السياسي والدبلوماسي المستمر.
وتفاقم الصدام بعد إعلان المدعي العام للمحكمة في عام 2024 طلب إصدار مذكرات توقيف بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع السابق يوآف غالانت على خلفية اتهامات بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية خلال الحرب على غزة.
هاجمت إسرائيل كذلك عددا من لجان التحقيق الدولية التابعة للأمم المتحدة، ورفضت التعاون معها أو السماح لأعضائها بدخول الأراضي الفلسطينية وإسرائيل.
وشمل ذلك لجان التحقيق الخاصة بحروب غزة المتعاقبة، فضلا عن اللجنة الدولية المستقلة التي أنشأها مجلس حقوق الإنسان عام 2021 للتحقيق في الانتهاكات داخل الأراضي الفلسطينية وإسرائيل.
وعادة ما تصف الحكومات الإسرائيلية هذه اللجان بأنها منحازة سلفا وأن نتائجها معدة مسبقا.
هنا نعود إلى مؤسسة الدراسات الفلسطينية ودراسة سونيا بولس، التي تتوقع أن إسرائيل ستواصل استخدام التكتيكات المعتادة لوقف جهود المساءلة على المستوى الدولي، لكن نجاحها أو فشلها يعتمدان أيضاً على نجاح القيادة الفلسطينية والمجتمع المدني في فلسطين والخارج في حشد الجهات الفاعلة الأُخرى.
وفي الختام، فإن إسرائيل تفعل كل شيء للإفلات من المحاسبة؛ تجند الحلفاء، تتجسس على الخصوم وتشهّر بهم، بل وتعلن انتهاء صلاحية الأمين العام للأمم المتحدة وكأنه موظف في وزارة خارجيتها!
المفارقة هنا أن تل أبيب التي طالما تباهت بأنها "الواحة الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط"، باتت تضيق ذرعاً بأي مرآة دولية تظهر حقيقتها، وتفضل بدلاً من ذلك تحطيم المرآة واتهامها بالتحيز.
ستبقى تكتيكات الهروب الإسرائيلية مستمرة دون شك، لكن السؤال الذي يفرض نفسه: إلى أي مدى يمكن لواشنطن وعواصم الغرب الاستمرار في ترقيع "ثوب الشرعية الدولية" الذي يمزقه حليفهم المدلل كل يوم؟

من اليونسكو إلى الجنائية الدولية.. صدام إسرائيلي متكرر مع عدالة العالم
٢ يونيو ٢٠٢٦
٨ مشاهدة
5 دقائق قراءة
كن أول من يعلم!
اشترك في قنواتنا على وسائل التواصل الاجتماعي لتصلك أهم وأحدث أخبار تهامة واليمن العاجلة فور حدوثها.

التعليقات (0)