قد نظن أن ما نضعه في أطباقنا قرار شخصي خالص تحكمه الشهية أو الجوع أو حتى خططنا الغذائية، لكن الواقع أكثر تعقيدا. اختياراتنا اليومية لا تُصنع في عزلة، فحين نجلس إلى المائدة مع الأصدقاء لا نشاركهم الحديث فقط، بل نشاركهم أيضا قراراتنا الغذائية دون أن ننتبه.
بين ضحكة عابرة وحديث ممتد، تتسلل تأثيراتهم بهدوء إلى أطباقنا، فنجد أنفسنا نختار مثلهم ونأكل على إيقاعهم، بل وأحيانا نعيد تشكيل عاداتنا بالكامل لنبدو جزءا من هذا المشهد المشترك.
الأهم أن تأثير الأصدقاء لا يقتصر على اللحظة، بل يسهم، -مع مرور الوقت- في إعادة تشكيل نمطنا الغذائي ككل. في السطور التالية نقترب من سؤال يبدو بسيطا في ظاهره: كيف تتحول اختياراتنا الغذائية من قرارات فردية إلى انعكاس مباشر لدائرة الأصدقاء من حولنا، بحيث لا يكون السؤال "ماذا نحب أن نأكل؟" بقدر ما يكون "مع من نأكل؟".
يحدث تناول الطعام غالبا في سياق اجتماعي، مع العائلة أو الأصدقاء أو زملاء العمل، وهو ما يجعل الأكل يتحدد عبر الجماعة أكثر مما يتحدد عبر الفرد. فالسلوك الغذائي -وفقا لدراسات متعددة- يتشكل داخل شبكة من التأثيرات غير المرئية التي يفرضها وجود الآخرين أو حتى مجرد توقعاتهم.
ولا يتوقف تأثير من حولنا عند نوع الطعام فحسب، بل يمتد إلى تفاصيل أدق: طريقة الأكل وعدد اللقمات وتوقيت تناولها. تشير الأبحاث إلى أن الإنسان يميل -بشكل تلقائي ودون إدراك- إلى محاكاة سلوك الآخرين أثناء تناول الطعام. فقد أظهرت دراسة نشرت عام 2012 حول "التقليد في تناول الطعام" أن الأفراد يضبطون كمية ما يأكلونه بما يتماشى مع من يشاركونهم المائدة، إذ يزداد استهلاكهم للطعام عندما يزيد استهلاك الآخرين، ويتراجع عندما يتوقف المحيطون بهم عن الأكل.
يربط الباحثون هذا بما يعرف بـ"المحاكاة السلوكية"، وهي آلية دقيقة تتمثل في ميل الشخص إلى تناول لقمة خلال فترة زمنية قصيرة -قد لا تتجاوز خمس ثوان- بعد أن يتناولها الطرف الآخر. وخلصت الدراسة إلى أن شركاء المائدة كانوا أكثر ميلا لتزامن لقماتهم معا بدلا من اتباع وتيرة مستقلة لكل منهم. هذه النتائج تكشف أن التأثير لا يقتصر على الانطباع العام، بل يمتد إلى إيقاع الأكل نفسه: سرعة التناول وكميته وتتابع اللقمات، وكل ذلك يحدث غالبا دون وعي مباشر منا.
لا يتوقف الأمر عند التقليد اللحظي، بل يتجاوز ذلك إلى ما يعرف بـ"النمذجة الاجتماعية"، وهي آلية نفسية نعتمد خلالها على سلوك الآخرين كدليل غير مباشر يحدد لنا ماذا نأكل وكم نأكل. منذ نحو نصف قرن، أشارت أبحاث مبكرة إلى أن "النمذجة" تمثل عاملا محوريا في تشكيل السلوك الغذائي، اعتمادا على فرضية "التأثيرات الخارجية" التي افترضت أن الأفراد الذين يعانون من زيادة الوزن أكثر استجابة للمحيط الخارجي -مثل وجود الآخرين وأنماطهم الغذائية- مقارنة بإشارات داخلية كالجوع أو الشبع.
لكن دراسات لاحقة أعادت النظر في هذه الفرضية، إذ لم تجد فروقا تُذكر بين الأفراد المختلفين من حيث الوزن أو درجة ضبطهم لعاداتهم الغذائية في مدى تأثرهم بـ"النمذجة". بمعنى آخر، الجميع تقريبا يقعون تحت هذا التأثير بدرجات متقاربة. مراجعة علمية موسعة نشرت عام 2015 دعمت هذا الاتجاه، مؤكدة أن "النمذجة الاجتماعية" تعد من أقوى العوامل التي تتحكم في سلوكنا الغذائي، وقد تتفوق أحيانا على إشارات الجوع والشبع نفسها.
وتظهر هذه المراجعة أن قوة تأثير "النمذجة" تزداد عندما يشعر الفرد برغبة في الانتماء أو التقارب مع الشخص الذي يحاكيه، أو عندما يرى فيه انعكاسا لنفسه. هنا تلعب الرغبة في الانتماء دورا خفيا لكنه بالغ التأثير، إذ تشير دراسات إلى أن الأفراد يميلون إلى تعديل سلوكهم الغذائي ليتماشى مع الجماعة سعيا للقبول الاجتماعي وتجنب الشعور بالاختلاف. في كثير من الأحيان يصبح الطعام وسيلة غير مباشرة لتسهيل التفاعل مع الآخرين وكسب ودّهم، أكثر من كونه استجابة بسيطة للجوع.
بهذا المعنى، لا يبدو تناول الطعام مجرد استجابة لاحتياج بيولوجي، بل انعكاس لعلاقاتنا الاجتماعية أيضا. نحن لا نختار ما نأكله فقط، بل "نتعلم" كيف نأكل من خلال الآخرين، نتبنى خياراتهم وعاداتهم في عملية صامتة تعيد تشكيل عاداتنا يوما بعد يوم.
لم تعد السمنة مسألة فردية خالصة كما كان يعتقد، بل تكشف الأدلة العلمية عن أنها قد "تنتقل" عبر العلاقات الاجتماعية في صورة أقرب إلى العدوى الصامتة. فقد أظهرت دراسة نشرت عام 2007 أن احتمالات إصابة الفرد بالسمنة تزداد بشكل ملحوظ إذا كان لديه أصدقاء يعانون منها، وهو ما يشير إلى أن الوزن الزائد لا يحدث فقط نتيجة عادات فردية، بل يتأثر أيضا بالشبكات الاجتماعية.
رصدت الدراسة أن احتمالية إصابة الشخص بالسمنة زادت بنسبة 57% إذا كان لديه صديق أصيب بالسمنة خلال فترة زمنية محددة. مراجعات علمية لاحقة دعمت هذا الاتجاه، مشيرة إلى أن السلوكيات الصحية -بما في ذلك تناول الطعام والوزن- تنتشر عبر الشبكات الاجتماعية بطريقة تشبه "العدوى"، حيث يتأثر الأفراد بعادات من حولهم دون إدراك مباشر.
وتظهر دراسة نشرت في أكتوبر/تشرين الأول 1988 في مجلة علم النفس الاجتماعي والشخصي كيف يتشكل سلوك الأكل داخل الجماعات. الدراسة -التي أجريت على مجموعتين من الطالبات- رصدت وجود "معايير غير مكتوبة" بين مجموعات الأصدقاء تحكم ما يعد سلوكا مقبولا في تناول الطعام.
اللافت أن الدراسة رصدت ضغوطا اجتماعية غير مباشرة تدفع الأفراد إلى تعديل سلوكهم الغذائي ليتماشى مع المجموعة. ومع مرور الوقت -وتحديدا بنهاية العام الدراسي- أصبح من الممكن التنبؤ بدرجة الإفراط في تناول الطعام لدى طالبة ما من خلال سلوك صديقاتها، في نمط واضح من "العدوى الاجتماعية". وبيّنت النتائج أن هذا التأثير يزداد قوة كلما كانت روابط الصداقة أكثر تماسكا، فتتقارب أنماط الأكل تدريجيا داخل المجموعة.
حتى إن لم يدفعك أصدقاؤك إلى "الشراهة"، فإن مجرد وجودهم إلى جانبك أثناء تناول وجبتك قد يجعلك تستهلك كميات أكبر دون أن تنتبه. دراسة نشرت عام 1994 أظهرت أن وجود أشخاص آخرين على مائدة الطعام يكفي لتغيير سلوكنا الغذائي بشكل ملحوظ، فنحن لا نأكل بالطريقة نفسها عندما نكون مع الآخرين مقارنة بما نفعله عندما نأكل بمفردنا.
اعتمدت الدراسة على متابعة يوميات 515 بالغا سجلوا تفاصيل ما يتناولونه وتوقيت الوجبات وحالتهم المزاجية وعدد المرافقين وطبيعة علاقتهم بهم. كشفت النتائج أن الوجبات التي تُؤكل بصحبة الآخرين تكون أكبر حجما وتستغرق وقتا أطول من تلك التي يتناولها الشخص منفردا. لكن نوع العلاقة لعب دورا حاسمًا، فالوجبات مع العائلة أو الشريك كانت أكبر وأسرع، بينما كانت الوجبات مع الأصدقاء هي الأكبر والأطول زمنا، في إشارة إلى أن التفاعل الاجتماعي يمدد وقت الأكل ويزيد كميته.
تفسر هذه النتائج بأن الأجواء الاجتماعية -خاصة مع الأصدقاء- تخلق حالة من الارتياح تقلل من القيود الذاتية على الأكل، فتتحول الوجبة من فعل فردي منضبط إلى تجربة جماعية مفتوحة تؤثر مباشرة في الكمية المستهلكة.
نتائج مشابهة أشارت إليها دراسة نشرت جامعة كامبريدج نتائجها عام 2013، إذ أكدت أن السياق الاجتماعي يؤثر في تناول الطعام عبر عدة آليات، من بينها الرغبة في تقديم صورة معينة عن الذات أمام الآخرين، أو محاولة الانسجام مع هوية المجموعة. وخلصت إلى أن تناول الطعام في وجود الآخرين يؤدي غالبا إلى استهلاك كميات أكبر -خاصة مع الأصدقاء- حيث تسود أجواء من الراحة تقلل من القيود الذاتية، فيتحول الأكل إلى نشاط ممتد وأكثر تحررا.
إذا كان الأصدقاء ومن نحيط أنفسنا بهم يتركون هذا الأثر الخفي على أطباقنا، فالسؤال الطبيعي هو: كيف نحمي عاداتنا الغذائية دون أن نقاطع دوائرنا الاجتماعية؟ هنا يصبح الوعي خط الدفاع الأول.
تشير الدراسات السابقة إلى أن تأثير الأصدقاء على عاداتنا الغذائية يحدث غالبا "دون وعي". الخطوة الأولى للحماية هي الاعتراف بأن من حولك يؤثرون على قراراتك الغذائية، حتى وإن لم تنتبه. مجرد وضع هذه الفكرة في الحسبان يمنحك فرصة للتوقف للحظة قبل أن تقلد الآخرين تلقائيا، ولطرح سؤال بسيط على نفسك: "هل أنا جائع فعلا، أم أواكب ما يفعله من حولي؟".
يقوم "الأكل الواعي" على مفهوم اليقظة الذهنية، أي إدراك ما يحدث داخلك وحولك أثناء تناول الطعام. يمكن ترجمة ذلك إلى خطوات بسيطة:
هذه الممارسات تساعدك على ملاحظة إشارات الجوع والشبع الحقيقية، بدل الانسياق التلقائي وراء إيقاع الآخرين. وتشير أبحاث متزايدة إلى أن تبني أسلوب أبطأ وأكثر وعيا في الأكل قد يساعد في التعامل مع مشكلات الوزن الزائد، وربما يسهم في الابتعاد عن الأطعمة المصنّعة والخيارات غير الصحية.
إذا كنت تعرف الآن أن الأشخاص الذين تتناول الطعام معهم يؤثرون بشكل مباشر على اختياراتك وكمياتها، يصبح اختيار البيئة جزءا من إدارة نظامك الغذائي. التواجد أكثر مع من يتبعون عادات غذائية صحية يزيد من احتمالية تبنيك للسلوكيات نفسها دون جهد كبير، بينما الاستمرار في الأكل مع من يميلون دائما إلى الإفراط قد يرسخ أنماطا يصعب تغييرها لاحقا.
بدل مقاومة التأثير الاجتماعي، يمكنك توجيهه في الاتجاه الصحيح. إحاطة نفسك بنماذج صحية -أصدقاء أو زملاء أو أفراد من العائلة- قد تجعل "النمذجة" أداة لصالحك. فحين تصبح خياراتهم الصحية هي القاعدة على المائدة، فإن التأثير نفسه الذي كان يدفعك إلى الإفراط يمكن أن يدفعك إلى الاعتدال.
في النهاية، لا يعني إدراك تأثير الأصدقاء على عاداتك الغذائية أن تتخلى عن مائدة الجماعة، بل أن تجلس إليها وأنت أكثر وعيا بما يحدث على طبقك وبمن يشاركك فيه. فربما كان السؤال الأهم ليس "ماذا آكل اليوم؟" بل "مع من سآكل، وكيف سيغير ذلك ما أضعه في طبقي؟".

الإجابة قد تغير طريقة أكلك.. ماذا يحدث لطبقك عندما تتغير دائرة أصدقائك؟
١٢ مايو ٢٠٢٦
٧ مشاهدة
5 دقائق قراءة
كن أول من يعلم!
اشترك في قنواتنا على وسائل التواصل الاجتماعي لتصلك أهم وأحدث أخبار تهامة واليمن العاجلة فور حدوثها.


التعليقات (0)