أثار كتاب الكاتب والصحفي الكندي ـ الأمريكي مالكوم غلادويل الجديد "الطريقة الأمريكية للقتل: اختراع وباء" نقاشًا حول طبيعة العنف المسلح في الولايات المتحدة، إلا أن مراجعة نشرها الكاتب والأكاديمي غاري يونغ في صحيفة «الغارديان» البريطانية خلصت إلى أن الكتاب، رغم جاذبيته وسهولة قراءته، لا يذهب بعيدًا في تفسير جذور الظاهرة أو تقديم إجابات سياسية واجتماعية مقنعة. وينطلق غلادويل من سؤال واسع: لماذا يمكن لطفل أن ينشأ في مجتمع من دون أن يختبر العنف القاتل بصورة مباشرة، بينما يكبر شاب في مكان آخر وقد يفقد عددًا كبيرًا من أصدقائه قبل بلوغه الثلاثين؟ ومن خلال هذا السؤال يحاول الكاتب تفكيك العلاقة الأمريكية المعقدة مع الأسلحة النارية والعنف. ويعرف غلادويل بأسلوبه الذي يجمع بين السرد القصصي والتحليل الاجتماعي والنفسي، وهو مؤلف كتب ذائعة الصيت مثل "نقطة التحول" و"ومضة" و"المتفوقون". ويقوم أسلوبه عادة على طرح أسئلة كبيرة، ثم البحث عن تفسيرات غير مألوفة عبر قصص وأبحاث من مجالات متعددة.قراءة مختلفة لأرقام العنف بحسب مراجعة "الغارديان" اليوم، يقدّم الكتاب عددًا من التصحيحات المهمة للسردية الشائعة حول أزمة الأسلحة في الولايات المتحدة. ومن أبرز النقاط التي يناقشها غلادويل أن انخفاض الوفيات الناجمة عن إطلاق النار لا يعني بالضرورة انخفاض عدد حوادث إطلاق النار نفسها؛ إذ ساهم تطور الجراحة وطب الطوارئ في إنقاذ مزيد من المصابين الذين كانوا سيفارقون الحياة في السابق. كما يتوقف عند الجدل الدستوري المتعلق بالتعديل الثاني للدستور الأمريكي، مشيرًا إلى أن مفهوم "الميليشيا" الذي ارتبط تاريخيًا بالنص لم يكن ببساطة تعبيرًا عن حق فردي في امتلاك السلاح لمواجهة الحكومة، بل ارتبط أيضًا بسياقات تاريخية، بينها قمع تمردات العبيد. ويفرّق الكتاب كذلك بين نوعين من العنف: العنف "التعبيري" الذي ينشأ عن نوبات غضب وانفعال، والعنف "الأداتي" الذي يكون مخططًا له بهدف ارتكاب جريمة أو تحقيق غرض محدد. ويرى أن الجزء الأكبر من جرائم القتل بالأسلحة النارية يقع في الفئة الأولى.المشكلة أكبر من البنادق الهجومية أحد الجوانب التي تبرزها المراجعة هو محاولة غلادويل نقل النقاش من التركيز المفرط على البنادق الهجومية إلى صورة أوسع للعنف المسلح. فالقتل الجماعي، رغم حضوره الطاغي في الإعلام، يمثل جزءًا محدودًا من إجمالي جرائم القتل بالأسلحة النارية. كما أن احتمال تعرض الشخص للقتل بسلاح ناري على يد شخص يعرفه قد يكون أكبر من احتمال تعرضه لإطلاق النار على يد غريب. ويشير الكتاب كذلك إلى مفارقة مهمة في النقاش العام: كثير من الأمريكيين ينظرون إلى السلاح بوصفه وسيلة للحماية، في حين أن وجود سلاح في المنزل يرتبط أيضًا بمخاطر إضافية على أفراد الأسرة. كما يلفت غلادويل إلى أن الانتحار يمثل نسبة كبيرة من الوفيات المرتبطة بالأسلحة النارية، وهي زاوية كثيرًا ما تتراجع خلف الاهتمام السياسي والإعلامي بجرائم القتل الجماعي.لكن أين الطبقة والعرق؟ هنا تحديدًا تتركز أبرز انتقادات غاري يونغ للكتاب. فالمشكلة، وفق المراجعة، ليست في المعلومات التي يجمعها غلادويل بقدر ما هي في ما لا يفسره. إذ يتنقل الكاتب بين الأطباء وعلماء الاجتماع والشرطة والمؤرخين وعلماء النفس والمتخصصين في الصحة العامة والقانون، لكنه لا يمنح البنية الاجتماعية والاقتصادية التي تنتج العنف المسلح ما يكفي من الاهتمام. وترى المراجعة أن الحديث عن العنف في أحياء فقيرة تسكنها غالبية من السود والأقليات لا يمكن فصله عن تاريخ طويل من التمييز والفقر وعدم المساواة وتوزيع الموارد العامة. ويشير يونغ إلى أن غلادويل يقترب من هذه المسائل بصورة غير مباشرة، مثل حديثه عن بُعد مراكز علاج الإصابات الخطيرة عن المناطق التي يعيش فيها عدد كبير من السود والفقراء، وما يمكن أن يعنيه ذلك بالنسبة إلى فرص النجاة من الإصابات. لكنه لا يجعل عدم المساواة البنيوية محورًا أساسيًا لتفسير الظاهرة.الشرطة.. حل أم جزء من المشكلة؟ من النقاط المثيرة للجدل أيضًا دعوة غلادويل إلى زيادة أعداد أفراد الشرطة، استنادًا إلى أن الولايات المتحدة لديها عدد أقل من عناصر الشرطة للفرد مقارنة بعدد من الدول الأوروبية. لكن المراجعة ترى أن هذه المقاربة تتجاهل سؤالًا آخر: كيف تتعامل الشرطة مع المجتمعات التي يُفترض أن تحميها، ومن يتحمل مخاطر استخدام القوة؟ كما ينتقد يونغ طريقة تعامل الكتاب مع شعار «إلغاء تمويل الشرطة»، معتبرًا أن النقاش جرى اختزاله في شعار سياسي، بينما كان أحد أهم مطالب هذا التيار يتمثل في إعادة توجيه جزء من الموارد المخصصة للشرطة إلى خدمات الصحة النفسية ورعاية الشباب والبرامج الاجتماعية التي تستهدف أسباب العنف من جذورها. وبذلك، فإن زيادة الشرطة لا تبدو في نظر منتقدي الكتاب إجابة مكتملة، خصوصًا في مجتمع أمريكي لا تزال فيه قضايا العرق واستخدام القوة من جانب أجهزة إنفاذ القانون شديدة الحساسية.التعديل الثاني.. اللغة ليست القصة كلها يتناول غلادويل أيضًا الصياغة اللغوية والتاريخية للتعديل الثاني من الدستور الأمريكي، ويجادل بأن جزءًا من المشكلة يكمن في أن النص كتب وفق قواعد لغوية وسياق تاريخي مختلفين عن العصر الحالي. لكن هذه المقاربة، بحسب المراجعة، قد تضعف أهمية العامل السياسي في تفسير استمرار الحماية القانونية الواسعة لحيازة الأسلحة. فالمشكلة ليست في اللغة القديمة وحدها، وإنما أيضًا في قوة جماعات الضغط المؤيدة للأسلحة، وتأثيرها في السياسة الأمريكية والمؤسسات القضائية والتشريعية.كتاب غني بالتفاصيل.. لكنه لا يلتقط "الفيل" يبدو أن المفارقة الأساسية في تقييم "الغارديان" للكتاب تتمثل في أن غلادويل ينجح في جمع عدد هائل من القطع الصغيرة التي تساعد القارئ على فهم ظاهرة العنف المسلح، لكنه لا ينجح بالقدر نفسه في تركيب هذه القطع ضمن تفسير شامل. فالكتاب يطرح أسئلة مهمة حول التاريخ والقانون والطب والشرطة والأسلحة وعلم النفس، ويصحح بعض التصورات السائدة، لكنه يترك القارئ، وفق يونغ، أمام سؤال أكثر صعوبة: لماذا يستمر العنف المسلح بهذه الصورة في الولايات المتحدة، ومن هم الأشخاص الأكثر تعرضًا له، وما البنية الاجتماعية والسياسية التي تسمح باستمراره؟ وهنا تكمن أهمية الانتقاد الموجه إلى غلادويل: جمع الحقائق المختلفة لا يكفي وحده لصناعة تفسير سياسي واجتماعي لظاهرة معقدة. فالولايات المتحدة لا تعاني ببساطة من "مشكلة أسلحة"، بل من تداخل بين انتشار السلاح، والتفاوت الطبقي والعرقي، والصحة النفسية، والتاريخ الدستوري، والجريمة، وسياسات الشرطة، وقوة جماعات الضغط، وطبيعة النظام السياسي. وبالتالي، فإن كتاب غلادويل قد يكون مدخلًا جذابًا إلى بعض جوانب أزمة السلاح الأمريكية، لكنه، وفق المراجعة، لا يقدم بالضرورة المفتاح الذي يفسر الأزمة بأكملها.

العنف المسلح في أمريكا.. هل تكشف التفاصيل الحقيقة أم تحجبها؟ كتاب جديد
٢١ سبتمبر ٢٠٢٦
٦ مشاهدة
5 دقائق قراءة
كن أول من يعلم!
اشترك في قنواتنا على وسائل التواصل الاجتماعي لتصلك أهم وأحدث أخبار تهامة واليمن العاجلة فور حدوثها.


التعليقات (0)