نستهل موسمنا الجديد من برنامج ضيف ومسيرة من بيت الإعلامي المصري محمود سعد في القاهرة، ليس بوصفه اسما لامعا في تاريخ التلفزيون والصحافة فحسب، بل بوصفه أيضا "شاهد خبرة" على تحولات المهنة، وتغير الذائقة العامة، وتراجع فكرة "المشترك العربي" التي كانت تجمع الناس حول صوت واحد أو حدث واحد، كما يشرح خلال الحلقة.
حوار يكشف فلسفة رجل يرى أن الإعلام الحقيقي ليس استعراضا للنجاح ولا بحثا عن "وصفة"، وإنما محاولة متواصلة لفهم الناس والاقتراب منهم، والتكيف مع عالم يتغير بسرعة.
صورة أم كلثوم خلف محمود سعد كانت مدخلا واسعا للحديث عن زمن كانت فيه الثقافة، عبر الفن، قادرة على صناعة مساحة مشتركة للعرب. محمود سعد لا يتحدث عن أم كلثوم كمطربة فقط، بل كظاهرة اجتماعية وثقافية جمعت الناس بموعد ثابت، ورفعت مستوى الذائقة، وجعلت «الاستماع» طقسا عاما يتجاوز الجغرافيا.
يستعيد صورة المدن العربية وهي تتوقف في "الخميس الأول" من شهور الشتاء: «الشوارع تكون فارغة في القاهرة أو في بغداد أو في الرباط… كل الناس تسمع أم كلثوم». ويرى محمود سعد أن الفن كان جسرا بين المجتمعات، قبل أن تتراجع قدرة الثقافة على جمع الناس، ويبدأ الانقسام يأكل "المشترك".
من أم كلثوم ينتقل الحديث إلى السؤال الأكبر: ماذا تغيّر في الثقافة العربية؟ محمود سعد يذهب مباشرة إلى فكرة التفتت، ويقر بأن دور الفن في "جمع الناس" ضعف بشدة، وأن الخلافات باتت أوسع من أن تغطيها مساحة ثقافية واحدة. في توصيفه، لا يتحدث عن اختلاف طبيعي بين مجتمعات، بل عن حالة انقسام تقطع المعرفة بين الشعوب العربية نفسها: "الخلافات بيننا اليوم تجعلنا منقسمين… المواطن المصري لا يعرف الكثير عن المواطن المغربي… ولا السوداني… ولا العراقي".
ومن هنا يعيد طرح أمنيته الأساسية: خلق تبادل ثقافي واجتماعي بين الشباب، لأن الانغلاق المتبادل ينتج جهلا بالآخر داخل المنطقة نفسها، ويضعف أي قدرة على بناء مستقبل مشترك.
كما يرفض فكرة الوحدة بالشكل القديم، ويميل إلى نموذج تكاملي شبيه بتجربة الاتحاد الأوروبي، يقول: "يجب على الدول العربية أن تتحد وتكمل بعضها البعض مثل الاتحاد الأوروبي، وتمكين الشباب من التنقل والاشتغال في مختلف الدول العربية".
حين يسأل محمود سعد عن سر العلاقة الخاصة مع الجمهور، يرفض اختزالها في "وصفة". يشرح مساره المهني باعتباره مسارا متنوعا؛ بدأ كصحفي عام في مجلة روز اليوسف يكتب في كل شيء، ثم تخصص في السينما لفترة طويلة، لكنه ظل يتحرك بين مجالات متعددة. الأهم هو ما يصفه بروح المكان في ذلك الوقت، ويصف تلك المرحلة قائلا: "أهم شيء في تلك المرحلة كانت حرية كبيرة داخل المؤسسة والسماح للأفكار الجديدة". ويرسم صورة غرفة تحرير آنذاك أنها لم تكن تقدّس الفوارق بين "الأستاذ" و"الصغير"، بل تتيح تجربة التعلم للجميع.
يضيف محمود سعد فكرة مهمة: "الجمهور لا يطلب دائما ما يريده فعلا، ولا أحد يعرف بدقة ماذا يريد الناس طوال الوقت". لذلك يرفض شعار "نعمل على طلب الجمهور"، ويقدّم منطقا آخر: "أنا لا أقوم بعملي بناء على طلب الجمهور… أنا أعمله بناء على إحساس أن هذا يجب أن يقدم للجمهور… لأنه لا أحد فعلا يعرف ماذا يريد الجمهور".
يُعتبر برنامج "باب الخلق" أحد مفاتيح فهم تجربة محمود سعد الإعلامية. فهو لا يتعامل معه كبرنامج شهرة، بل كمحاولة "لفتح الباب" على نماذج وحكايات من المنطقة. يشرح أنه تنقل بين دول عربية مختلفة، لا ليراكم مشاهد أو لقطات، بل ليقول إن ما يجمع الناس أكثر مما يفرقهم. يوضح: "باب الخلق… يتسع لكل الأفكار… تنقلت من مصر إلى العراق وذهبت إلى الأردن وتونس والمغرب… القصص في كل هذه الدول تهمنا كلنا".
ويضيف أنه حاول رد "دين" معنوي للجمهور الذي منحه الثقة: "الجمهور أعطاني ما لا يقدر بثمن… حب الناس في الشارع… فلهذا أحاول دائما تقديم الشكر لهم".
يشرح محمود سعد انتقاله إلى التلفزيون في بداية الألفينات بمنطق بسيط: الفضائيات احتاجت صحفيين جاهزين لديهم علاقات ومعرفة بالمجال، ولا وقت لديها لصناعة مذيعين من الصفر.
لكنه يكشف أيضا جانبا إنسانيا: الخوف. يكرر أنه كان "مرعوبا" من الظهور أمام الكاميرا، وأنه دخل التجربة وهو يعتقد أنها محطة واحدة، غير أن التجربة امتدت وتحولت إلى مسار. ثم يأتي انتقاله إلى وسائل التواصل الاجتماعي بمنطق مشابه: العالم يتحرك، والإنسان يتغير، ومن يقف يتراجع. ويضيف تشبيها لافتا: "وسائل التواصل الاجتماعي بالنسبة لي نوع من أنواع التطور الصحفي… كتبت على ورقة… كتبت على تلفزيون… اليوم نكتب على السوشيال ميديا".
هكذا يزيل محمود سعد الفاصل المتخيّل بين "صحافة قديمة" و"منصات جديدة"، ويرى الأمر تحولا في الوسيلة لا في جوهر الفكرة: التواصل مع الناس.
في خاتمة الحوار، محمود سعد يرفض تماما السردية الوردية التي ترى حياته المهنية سلسلة نجاحات متراكمة. يقول: "لا أظن… إني من نجاح إلى نجاح… الموجود إني بحاول أحقق النجاح كل يوم". ثم يضيف: "الشعور بالاكتفاء من النجاح بداية الهبوط… لو الواحد شعر بالنجاح والوصول… فسيبدأ في النزول". ويرفض اعتبار الجوائز أو الأرقام تعريفا نهائيا للنجاح: "حينما يتم ترشيحي لجائزة أقول: لما هذه الجائزة؟ ماذا فعلت؟"
وفي النهاية يربط كل ذلك بهم أكبر: استعداد الشباب العربي لمواجهة عالم يتغير بسرعة لا تُصدّق. يطرح السؤال بقلق واضح: "هل شبابنا مستعد لمواجهة التطور الرهيب… الذي يعيشه العالم كل يوم؟".
لا يقدم إجابة حاسمة، لكنه يضع القضية في قلب ما يراه مهمة الإعلام: تنبيه المجتمع إلى المستقبل بدل الاكتفاء بتسجيل الماضي.

محمود سعد: وسائل التواصل الاجتماعي نوع من أنواع التطور الصحفي
النظام الآلي
١٩ مارس ٢٠٢٦
٨ مشاهدة
5 دقائق قراءة
كن أول من يعلم!
اشترك في قنواتنا على وسائل التواصل الاجتماعي لتصلك أهم وأحدث أخبار تهامة واليمن العاجلة فور حدوثها.

التعليقات (0)