يبدو أن ملف الصراع حول مياه نهر النيل بين دولتي المصب مصر والسودان من جانب، ودولة المنبع الموسمي (إثيوبيا) من جانب آخر، بدأ يأخذ منحى أكثر خطورة على شعبي وادي النيل حيث يعيش أكثر من 170 مليون نسمة، وذلك مع تتابع تحركات أديس أبابا، والتي كان آخرها رفع مستوى التعاون الدفاعي مع الإدارة الأمريكية. وفي 19و 20 آب/أغسطس 2026، زار وفد إثيوبي رفيع المستوى العاصمة الأمريكية، ليتم الإعلان في مقر وزارة الحرب الأمريكية عن اتفاق واشنطن وأديس أبابا على الارتقاء بعلاقاتهما في مجالي الدفاع والأمن إلى مستوى جديد، وتطوير العلاقات الدفاعية لتصبح شراكة استراتيجية أكثر تقدما ومواكبة للمستقبل. تقوم الاتفاقية على توسيع التعاون بين مؤسسات الدفاع بالبلدين وتعزيز التنسيق الاستراتيجي، وحماية المصالح الوطنية وتحقيق المنافع المتبادلة، وترسيخ تعاون طويل الأمد من خلال تعزيز الثقة المتبادلة، وتكثيف جهود دعم السلام والأمن والاستقرار المستدامين في القرن الأفريقي.أجواء الاتفاق وهو الاتفاق الذي سبقه وتبعه تغير مثير في لهجة الخطاب الإثيوبي تجاه مصر، وإعلان فرض الأمر الواقع بملف المياه والسد الإثيوبي، ما يكشف وفق مراقبين ومتحدثين لـ"عربي21"، عن "شعور أكبر بالثقة والقدرة على التحرك في ملف المياه"، و"إدراك إثيوبي بوجود أديس أبابا في وضع دولي جديد مع دعم عسكري أمريكي، يتوجب على مصر الانتباه لخطورته وتبعاته ودراسة كيفية التعامل معه". وفي 16 آب/أغسطس الجاري، أطلق وزير المياه والطاقة الإثيوبي هبتامو إيتيفا، تصريحات صادمة للمصريين بحق ملف مياه النيل، مؤكدا على التحكم الأحادي لبلاده في تصريف المياه إلى دولتي المصب من "سد النهضة"، معلنا بناء 3 سدود جديدة على النيل الأزرق. والسبت الماضي، أعلن عن دخول اتفاقية "المفوضية الدائمة لحوض نهر النيل"، دخلت حيز التنفيذ، مشيرا إلى أن 6 دول من حوض النيل صادقت على إنشاء المفوضية، وذلك بالرغم من معارضة مصر والسودان. اظهار أخبار متعلقة وفي حين تتحرك إثيوبيا في ملف مياه النيل بشكل أحادي وتسعى للضغط على القاهرة بالحديث عن تفعيل مفوضية حوض النيل، فإنها في المقابل وبدعوى أنها دولة حبيسة تسعى للحصول على موطئ قدم على البحر الأحمر بالاتفاق مع إقليم صومالي لاند الانفصالي، إلى جانب قيامها بدعم مليشيات "الدعم السريع" بمواجهة الجيش السوداني، وهي ملفات 4 تصطدم برفض مصري لما تمثله من مخاوف على الأمن القومي المصري. وتؤكد مصر على حق إثيوبيا ودول حوض النيل في التنمية بما لا يضر مصالحا ووفق اتفاق مسبق، وفي المقابل، تقوم القاهرة بإنشاء مشروعات سدود على حوض نهر النيل والتي من بينها قبل أيام افتتاح سدا بقدرة 2.1 جيجاوات على نهر روفيجي، في تنزانيا، بالتزامن مع توقيع 7 مستثمرين مصريين اتفاقيات لإنشاء منشآت تصنيع هناك. هل تغير موقف ترامب؟ ويتخوف مراقبون أن يتبع الاتفاق الأمريكي الإثيوبي تغيرا في موقف الإدارة الأمريكية من ملف مياه النيل والسد الإثيوبي، وخاصة وأن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، كان قد دعم موقف مصر بقوة خلال ولايته الأولى وسعى نحو اتفاق نهائي بين دولتي المصب وإثيوبيا التي رفضت التوقيع في شباط/فبراير 2020. وخلال الولاية الثانية لترامب، ومنتصف كانون الثاني/يناير الماضي، أكد رفضه السيطرة الأحادية لأي دولة على موارد النيل على حساب جيرانها أو الإضرار بأمنهم المائي، مبينا أنه يدرك أهمية النيل لمصر وشعبها، معلنا الاستعداد لاستئناف الوساطة للتوصل إلى حل نهائي وعادل لتقاسم مياه النيل وسد النهضة.شرطي أمريكي بالقرن الأفريقي السياسي والدبلوماسي المصري، السفير معصوم مرزوق، وفي قراءته لدلالات توقيت رفع مستوى التعاون الدفاعي والعسكري الأمريكي الإثيوبي، قال إنها "لا تمثل من وجهة نظري تعديلا في استراتيجية أمريكا في منطقة القرن الإفريقي؛ فقد استثمرت خلال ما يزيد على ربع قرن في بناء علاقات شراكة وتعاون في مجال مقاومة الإرهاب، ولكن كانت هناك انتقادات لانتهاكات حقوق الإنسان خاصة في منطقة تيغراي (شمال إثيوبيا)". وفي حديثه لـ"عربي21"، أكد السفير المصري السابق بإحدى دول حوض النيل وهي أوغندا أن "ما تريده أمريكا من أثيوبيا هو (شرطي) في منطقة القرن الإفريقي والبحيرات العظمى (شرق ووسط القارة)، يضمن موطأ قدم لتوسع عمليات القيادة المركزية الأمريكية". وبشأن تعارض ذلك الدور مع ملفات مصرية، أوضح مساعد وزير الخارجية الأسبق، أن "موقف تطور العلاقات الأمريكية الإثيوبية من ملف مصر شديد التشابك، فمن المعروف أن الإدارة الأمريكية الحالية بذلت بعض المساعي الحميدة لتقريب وجهات النظر فيما يتعلق بملف النيل، ولكن فيما يبدو أن ذلك الجهد يتوقف عند هذا الحد، لأن الاستراتيجية الأمريكية في أفريقيا تضع لإثيوبيا دورا متميزا". اظهار أخبار متعلقة وفي إجابته على السؤال: "هل لجأت إثيوبيا لواشنطن للضغط على القاهرة لتمرير ملف الميناء الإثيوبي في إقليم أرض الصومال؟"، قال مرزوق: "لا أظن أن إثيوبيا تلجأ لوساطة أو ضغوط واشنطن على مصر لتسهيل حصولها على منفذ بحري فيما يطلق عليه (صومالي لاند)". ولفت إلى أن "إثيوبيا تعتقد بشكل كبير أن ذلك حق من حقوقها كدولة حبيسة، وأن إدارتها لعلاقاتها الدولية مثل الاعتراف بـ(صومالي لاند) –إقليم انفصالي عن الصومال غير معترف به دوليا إلا من إسرائيل- هو أمر من أمور السيادة التي تستقل بها دون منازعة من أحد". وفي قراءته لتبعات حصول إثيوبيا على الدعم الأمريكي وما يمنحها من قوة لفرض الأمر الواقع على مصر والسودان بملف المياه، يرى أن "إثيوبيا فرضت بالفعل أمرا واقعا فيما يتعلق بسد النهضة، وهي الآن تنتقل لمرحلة الاستثمار السياسي لوضعها الحاكم كدولة منبع، دون مراعاة لقواعد القانون الدولي الخاصة بالمجاري المائية العابرة للحدود، أو حتى لاتفاقياتها الثنائية مع مصر".ضغوط منذ الستينيات وفي بداية حديثه لـ"عربي21"، حول التطورات العسكرية والدفاعية بين أمريكا وإثيوبيا، أكد وزير الموارد المائية والري المصري الأسبق الدكتور محمد نصر الدين علام، أولا أن ما يثار حول أن "إثيوبيا فعلت (مفوضية حوض النيل) مجرد جعجعة إعلامية وكلام لممارسة الضغوط على مصر، وليست واقعا حتى تاريخه". وأشار إلى أن بداية الأزمة كانت أيضا للضغط السياسي على القاهرة، في ستينيات القرن الماضي، موضحا أن "مخطط السدود على النيل الأزرق كان قد أعده مكتب الاستصلاح الأمريكي وتم نشره حوالى عام 1964، وكان ردا على قيام مصر بالبدء في مشروع السد العالي وتأمين البلاد مائيا، من خلال تخزين إيراد نهر النيل الذى يهدر للبحر المتوسط وتقسيمه بين مصر والسودان (دولتي المصب)، حسب اتفاقية 1959". ولفت إلى أن ذلك المشروع لم يكتمل حينها، مبينا أن "العلاقات تحسنت رسميا بين مصر وإثيوبيا بعدها، ولم يتم البدء في هذا المخطط إلا خلال ثورة 25 كانون الثاني/يناير 2011 المصرية، بإقامة سدهم على النيل الأزرق بسعة هائلة (نحو 74 مليار متر مكعب من المياه)، بدلا من 14,5 مليار متر مكعب كما كان مخططا مسبقا". علام، الذي تولى وزارة الري خلال (2009- 2011)، أشار إلى التحركات المصرية إزاء اقتراح إثيوبيا بناء سدود على النيل الأزرق خلال (مبادرة حوض النيل) الموقعة بين دول الحوض العشر عام 1999. ولفت إلى أن "القاهرة قامت بتقييم تداعيات هذه السدود على الحصة المائية وعلى الأمن المائي للبلاد، وبينت أن تأثير هذه السدود كارثي، وقامت بإعداد مذكرة بملخص التداعيات السلبية من تلك السدود، وأرسلت رفضا رسميا لإثيوبيا، كما أرسلت نسخا منها إلى معظم جهات التمويل الدولية لعدم تمويل هذه المنشآت، وكان ذلك في نهايات عام 2010". وأوضح أن الضغوط على القاهرة في هذا الملف الوجودي مازالت قائمة وتتعاظم، مبينا أن "هناك مؤخرا تحركات إثيوبية عديدة، وتصريحات رسمية تميل للعنف والتهديد، بالإضافة إلى تدخل إثيوبي صريح في أحداث السودان وضد جيشها وبشكل يؤثر على وحدة السودان واستقراره وعلى الأمن القومي المصري"، ملمحا إلى دعم أديس أبابا مليشيا "الدعم السريع" بمواجهة الخرطوم. اظهار أخبار متعلقة رضوخ أمريكا لضغوط الاحتلال وبين علام، أن هناك جانب آخر من الضغوط الحالية على مصر، مؤكدا أن "هناك تدخل ودعم إسرائيلي واضح أمنيا وعسكريا، مع تدخلات (إسرائيلية/إثيوبية) في منطقة القرن الأفريقي، وبما يهدد دوله ويهدد أمن الملاحة في مضيق باب المندب، والبحر الأحمر"، مشيرا إلى احتمالات تأثر حركة مرور التجارة الدولية من قناة السويس وتأثر إيرادات مصر السنوية منها. وقال أستاذ ورئيس قسم الري والهيدروليكا بجامعة القاهرة سابقا، إن "الجديد في الأمر للأسف هو رضوخ أمريكا لضغوط إسرائيل، ومحاولة دعم تحركاتها المشبوهة في منطقة القرن الأفريقي". ويرى أن "الهدف الرئيسي من كل تلك الضغوط في رأيي الشخصي هو مصر، التي تقف حائلا دون تنفيذ مخططات إسرائيل التوسعية وإقامة إسرائيل الكبرى، ورفض مصر تهجير الفلسطينيين إلى سيناء، بل وتعطيل أية مخططات لتهجيرهم إلى ليبيا أو غيرها من الدول الأفريقية، بالإضافة لموقف مصر المعلن من المعارك التي تريد إسرائيل إشعالها بين إيران ومنطقة الخليج". ويعتقد أنه "بعد نجاح المخطط الصهيوني في السيطرة على المشرق العربي، بدأ المخطط لتطويره والانتقال لتطبيقه على الخليج وإدخال مصر في الصراع، لمحاولة تضييق الخناق على الجيش العربي الضخم النظامي المتبقي في وجه التوسع الصهيوني، ولهذا يحاولون اصطناع حروب وصراعات في السودان وليبيا والبحر الأحمر والقرن الأفريقي بكافة الطرق والوسائل". وأشار إلى أنه "هناك بالطبع قوى دولية أخرى لها أهدافها الاستراتيجية في المنطقة مثل روسيا والصين، بالإضافة لقوى إقليمية كتركيا وإيران، ولذلك حجم التصعيد تحيط به العديد من المخاطر، وهناك حاجة كبيرة للصبر والبصيرة في هذا المعترك الكبير".ما خيارات مصر؟ أوضح الوزير علام، أن "ملف المياه هو ملف وجودي، غير قابل حتى لمرونة مواقف أو تنازلات؛ بل العكس هو الصحيح تماما"، مشددا على أنه "على مصر أن تقوم بطلب رسمي لدول حوض النيل لزيادة حصتها المائية من خلال استقطاب جزء بسيطا من فواقد البرك والمستنقعات لزيادة حصتها على الأقل من (5-10 مليار متر مكعب) سنويا". وبين أن "نصيب المواطن المصري الآن من المياه أقل من 500 متر مكعب في السنة، بينما الحد الأدنى للفقر المائي كما حدده البنك الدولي لا يقل عن 1000 متر مكعب في السنة". ولذلك يرى بضرورة أن "تتوسع مصر في مشاريع تحلية مياه البحر في مدنها الساحلية، وتستورد كميات هائلة من غذائها لإطعام مواطنيها، وتعتمد على إعادة تدوير المياه العديد من المرات لزراعة أراضيها المحدودة، كما أن هناك حاجة ملحة للغاية لزيادة الحصة المائية وزيادة الرقعة الزراعية على الأقل (1-2 مليون فدان)". وختم حديثه مؤكدا أنه لذلك يرى شخصيا أن "التصعيد مع إثيوبيا مقصود لمنع التقارب والتعاون المصري الأثيوبي، والذى أراه حتميا لصالح الدولتين والشعبين العريقين والمنطقة ككل، وأرى أن التصعيد بينهما لا يخدم إلا أعداؤنا"، متسائلا: "هل من مجيب؟". وفي تعليقه، قال الباحث في الشؤون العسكرية والاستراتيجية محمود جمال، إن "إثيوبيا، التي نجحت في فرض سد النهضة كأمر واقع، تبدو وكأنها تعمل على بناء مظلة سياسية وأمنية أوسع قبل الانتقال إلى مرحلة جديدة في إدارة ملف المياه، بما في ذلك التوسع في إنشاء سدود أخرى على النيل وروافده". وعبر موقع "إكس"، أكد أن الاتفاقية "تمنح أديس أبابا قدرًا أكبر من الثقة والغطاء السياسي والاستراتيجي في مواجهة أي ضغوط إقليمية محتملة من مصر والسودان"، فيما يرى أنه "ينبغي على القاهرة ألا تنظر إلى هذا التطور باعتباره اتفاقًا عسكريًا منفصلًا، بل باعتباره تطورًا في البيئة الاستراتيجية المحيطة بملف النيل".

هل تفرض إثيوبيا أمرا واقعا جديدا على مصر والسودان بدعم عسكري أمريكي؟
٢٥ أغسطس ٢٠٢٦
٢٧ مشاهدة
5 دقائق قراءة
كن أول من يعلم!
اشترك في قنواتنا على وسائل التواصل الاجتماعي لتصلك أهم وأحدث أخبار تهامة واليمن العاجلة فور حدوثها.


التعليقات (0)