فقد أجمل الشرع الإسلامي في كثير من الأمور الدنيوية، لكنه فصَّل على نحو واضح في حقوق الزوج والزوجة والأولاد، بدءا من معايير اختيار شريك الحياة التي اعتبر الدين مقدَّما فيها، كما تقول أستاذة الفقه الإسلامي وأصوله الدكتورة ميادة الحسن.
وتضيف في حلقة (2026/3/14) من برنامج "الشريعة والحياة" -يمكن مشاهدتها على هذا الرابط– أن الأسرة هي الوحدة التي تحتضن الفرد وتقيم المجتمع، لأن صلاح الأخير من صلاح أفراده.
وعلى هذا، أخذت أحكام الأسرة كثيرا من الآيات المفصَّلة التي تناولت حقوق الزوج والزوجة والطلاق والمعاشرة بالمعروف والقوامة، لتكون محضنا آمنا للفرد حتى يقوم بأمور دينه.
وحتى عندما وضع النبي -صلى الله عليه وسلم- معايير اختيار الزوجة نصح بذات الدين، وكذا في الزوج عندما قال "فإن جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه".
وفي هذا التوجيه النبوي تشديد على ولاة أمر الفتاة بالتحقق من عوامل، تقول الدكتورة ميادة الحسن إنها محققة للرضا وضامنة لحسن النكاح، ومنها التوافق الديني والنفسي والاجتماعي.
وتوضح أن من واجب الولي النظر في مدى تحقق هذه التوافقات ومقدار ما تحوزه من رضا لإنشاء عقد النكاح حتى يكون سليما ومقيما للأسرة.
لكنَّ خضوع المسلمين للثقافة العابرة للقارات في عصرنا الحالي جعلتهم يقدّسون الجسد والمال، مما أحدث خللا في منظومة القيم التي جعلتها الشريعة الإسلامية أساسا لقيام الأسرة الصحيحة.
كما أثرت الاضطرابات السياسية كثيرا في بنية الأسرة بعدما تعرَّض ملايين الناس للتفرق والنزوح والبطالة التي جعلت كثيرين من الشباب والفتيات يتزوجون أو يتزوجن بدافع الحصول على المال فقط، وهو أمر تقول الحسن إنه -وإن كان غير مخالف للشرع- فإنه ينشئ حياة غير مستقرة، ويزيد من حالات الشقاق والطلاق وتشرذم الأطفال.
فغالبا ما يجنح الرجل أو المرأة للخلاف والشقاق الذي قد يمزق الأسرة ما لم يحصل على المال الذي كان أساس زواجه، والذي لا يمكن أن يكون سببا وحيدا لبناء الأسرة.
فقد ترك الدين الحقوق اليومية للزوج والزوجة لهما، ولم يجعل للفقهاء دورا فيها إلا في حالات الشقاق فقط، ولذا تقدمت حقوق المرأة على الرجل في الفقه حفظا لحقها، كما تقول الحسن.
فالأصل -كما توضح أستاذه الفقه وأصوله- أن الرجل والمرأة هما جناحا الأسرة، وعليهما الإلمام بثقافة الزواج لا لمعرفة الحقوق -لأنها معروفة ضمنا- وإنما لمعرفة كيفية التعايش وتعزيز المودة والرحمة بينهما.
ومن الأمور التي تضمن استقرار الأسرة أيضا -وفق الحسن- أن يضع كل طرف من الطرفين شروطه قبل الزواج إن كانت له شروط تتعلق بالعمل أو التعليم أو التشارك في نفقات الحياة مثلا، حتى لا يتعسف أحدهما في استخدام حقه الشرعي ضد الآخر.
لكن بعض الاشتراطات التي تسعى "النسويات" لفرضها على الرجل بذريعة حماية حقوق المرأة، لا تفعل سوى أنها تخرجها من دفء بيتها إلى أتون سوق العمل، كما تقول الحسن.
ولا يمكن القول إن النسوية كلها خاطئة، لأن المرأة هي الطرف الأضعف فعلا كما ظهر في كثير من وصايا الرسول بها، لكنها أخذت حقا واحدا -وفق الحسن- وأضافت عليه جملة من الأباطيل التي قد تُفسد على المرأة نفسها أو بيتها.
وقد ضرب النبي -صلى الله عليه وسلم- مثالا عمليا للترفق بزوجته، إذ تحدثت أمهات المؤمنين عن خدمته لهن ومساعدتهن في أمر بيته، وهو خير البشر الذي تُعَد خدمته طاعة لله، حسب أستاذه الفقه الإسلامي.
وما فعل النبي ﷺ هذا بأهل بيته إلا ليكون قدوة لأمته، فإذا اقتدى الرجل به ووجد من زوجته استغلالا لهذا الاقتداء وتحويله إلى حق مكتسب تبرر به تقصيرها في أمور بيتها، فعلى الزوج -كما تقول الحسن- أن يضع حدّا لهذا حتى لا تفسد الأسرة.
فعلى الرجل أن يعرف ما لزوجته من احتياج، وعلى المرأة أن تعرف ما لزوجها من احتياج أيضا، حتى لا يميل أحدهما على الآخر فتتهدم الأسرة، وفق الحسن، التي نصحت بعدم نسيان نصيحة الإمام أحمد، الذي قال "تسعة أعشار الشريعة في التغافل".
والمقصود بالتغافل هنا -وفق الحسن- أن يحسن الزوج والزوج النية عندما يصدر عن الآخر أمر قد يساء تفسيره حتى تستمر الحياة، ما لم يكن في هذا التغافل ضرر بمنظومة الأسرة.
فالقوامة التي أعطاها الله للرجل تعني في جزء منها أنه المسؤول عن إيصال أسرته إلى الغرض الذي أراده الله منها، ومن ثَم فقد ذهب بعض الفقهاء إلى القول بجواز تفويض الزوج زوجه في قوامته إن رأى منها حكمة في إدارة أمور البيت ما دام فيه تحقيق للغرض الشرعي، حسب الحسن.
ومع هذا، جعل الله تعالى الطلاق دواء أخيرا، شأنه شأن الكي في الجرح، لكنه استبقه بأمور منها النقاش والبحث معا عمّا يرضيهما معا، ثم التحكيم الخارجي للإصلاح بينهما، قبل أن يُفك رباط الأسرة.
وحتى عند الطلاق، أعطى الله فسحة من الوقت للتأكد من أنه القرار الصحيح، فلا يقع الطلاق مثلا خلال مدة حيض الزوجة أو نفاسها، لأنهما قد يسببان النفور، وفق الحسن، التي قالت إن المدة الشرعية للطلاق الصحيح هي 21 يوما من الطهر لم يتماس فيها الزوجان، لأن هذا دليل على النفور.

نواة المجتمع.. كيف حصَّن الإسلام الأسرة من التفكك؟
النظام الآلي
١٦ مارس ٢٠٢٦
١١ مشاهدة
5 دقائق قراءة
كن أول من يعلم!
اشترك في قنواتنا على وسائل التواصل الاجتماعي لتصلك أهم وأحدث أخبار تهامة واليمن العاجلة فور حدوثها.

التعليقات (0)