في قلب دمشق، حيث تتشابه الواجهات وتغيب التفاصيل، تتسلل الكاميرا عبر زقاق ضيق نحو بابٍ حديدي ثقيل تتدلى منه قيود صامتة، من هنا تبدأ رحلة حلقة من برنامج "الملف 404" (يمكن مشاهدتها كاملة عبر هذا الرابط)، حيث ينفتح المكان على ذاكرة لا تزال تنبض.
تمضي العدسة داخل ممرات خانقة، تتراكم فيها آثار الغياب أكثر من حضور الأشياء، أبواب مغلقة وجدران متآكلة وأصوات خافتة توحي بأن الحكاية لم تنته، بل ما زالت عالقة بين الجدران.
تأخذ الحلقة مسارا مختلفا، إذ تقترب من جوهر الفرع عبر بوابة غير مألوفة: قاعدة بيانات أمنية ضخمة، داخل هذه السجلات، تتجاور الأسماء مع التهم وتتشكل صورة كاملة لمنظومة اشتباه محكمة.
تغطي هذه البيانات سنوات تمتد من 2007 حتى 2016، وتضم آلاف الأسماء والتوصيفات الأمنية، وكل سطر فيها يحمل أثرا وكل تصنيف يكشف طريقة تفكير ترى المجتمع من زاوية الخطر الدائم.
يبرز السؤال منذ اللحظة الأولى: كيف يتحول الإنسان إلى ملف؟ الإجابة تتكشف تدريجيا مع استعراض الصيغ المتكررة التي تُسند إلى المعتقلين وكأنها قوالب جاهزة لا تتغير.
تستعيد حسيبة عبد الرحمن المعتقلة السابقة ملامح المرحلة الأولى، حين كان الفرع معنيا بملفات التجسس المرتبطة بالقضية الفلسطينية، قبل أن ينحرف تدريجيا نحو استهداف الفلسطينيين أنفسهم.
هذا التحول ينعكس بوضوح في توزيع البيانات، حيث يحتل مخيم اليرموك موقعا مركزيا داخل السجلات، في دلالة على تركيز أمني كثيف على بيئة محددة بعينها.
ومن أصل 4366 سجلا، يظهر المخيم في مئات الحالات، وتتقاطع المؤشرات لتربط بين الموقع والهوية، بما يعكس توجها نحو تصنيف جماعي يطال شريحة كاملة.
يشرح فايز أبو عيد، مدير الأبحاث في مجموعة العمل من أجل فلسطينيي سوريا، أن آلاف الفلسطينيين دخلوا هذه المنظومة وبعضهم خرج بعد سنوات وكثير منهم قضى تحت التعذيب، في حين بقيت الغالبية في دائرة الغموض القاسي.
وتكشف المقارنات بين هذه القاعدة وسجلات التوثيق الحقوقي عن تقاطعات لافتة، حيث تظهر أسماء لمعتقلين تأكدت وفاتهم، وأخرى لا تزال عائلاتها تبحث عنها بلا نتيجة.
ويمتد السرد إلى الجغرافيا، حيث يوضح الباحث الميداني حسن خليل كيف تموضع الفرع كخط دفاع أول في جنوب دمشق مستهدفا مناطق بعينها اعتُبرت حواضن للاحتجاج.
وفي شهادة ميدانية، يصف إبراهيم الأطرش، المنشق عن المخابرات، المكان باعتباره فضاء مغلقا على العنف، حيث تتكرر ممارسات التعذيب كجزء من الروتين اليومي.
تاريخ الفرع يعود إلى عام 1969، حين تأسس في سياق أمني مختلف، لكنه سرعان ما أصبح أداة لضبط المجتمع الفلسطيني، قبل أن يتوسع دوره مع اندلاع الثورة السورية.
وتُظهر السجلات نمطا لغويا ثابتا، حيث تتكرر عبارات مثل "إرهابي مسلح" و"خطر أمني"، في إشارة إلى آلية تصنيف لا تعتمد على الوقائع بقدر ما تعتمد على القوالب.
من بين الحالات التي تكشفها البيانات، تبرز قصة عائلة اعتُقل جميع أفرادها تحت التوصيف ذاته، في مشهد يعكس طبيعة الاشتباه الجماعي الذي لا يستثني أحدا.
محاولات تتبع مصير هذه العائلات غالبا ما تنتهي إلى الصمت، حيث يختار بعض الناجين تجنب الحديث، وكأن التجربة تجاوزت حدود السرد الممكن.
يروي معاذ عنيسي تجربة اعتقال أحد أقاربه لسنوات طويلة دون وضوح في التهمة أو المسار، مما يعكس طبيعة الاحتجاز المفتوح على المجهول.
أما عبد المعين، المنشق العسكري، فيقدم وصفا مباشرا لما يجري في الداخل، حيث يتحول المعتقل إلى مساحة لإلغاء الإنسان، تبدأ بفقدان السيطرة وتنتهي بفقدان الهوية.
وتكشف البيانات أن ذروة الاعتقالات تركزت بين عامي 2011 و2013، حيث ارتفعت الأرقام بشكل حاد، متزامنة مع تصاعد الاحتجاجات واتساع نطاقها.
داخل هذه المنظومة، يتغير كل شيء حتى الأسماء، حيث يُستبدل الاسم برقم مجرد، في لحظة تختزل التحول الكامل من إنسان إلى سجل.
ولا ينفصل هذا الدور عن سياق أوسع، حيث يشير الأطرش إلى مساهمة الفرع في إعادة تشكيل الواقع الفلسطيني، عبر مراقبة الفصائل والتأثير في توازناتها.
يبقى "فرع فلسطين" كما يقدمه "الملف 404" مساحة معلقة بين الوثيقة والذاكرة، حيث تتراكم القصص في انتظار لحظة انكشاف كاملة لم تأتِ بعد.

قاعدة بيانات "فرع فلسطين" بدمشق.. أسرار تُعرض لأول مرة
النظام الآلي
٢٠ مارس ٢٠٢٦
٢ مشاهدة
5 دقائق قراءة
كن أول من يعلم!
اشترك في قنواتنا على وسائل التواصل الاجتماعي لتصلك أهم وأحدث أخبار تهامة واليمن العاجلة فور حدوثها.

التعليقات (0)